//graizoah.com/afu.php?zoneid=3512770 قصة واقعية الكابوس

قصة واقعية الكابوس

 قصة واقعية الكابوس




     قصة واقعية الكابوس

     قصة واقعية الكابوس


    بسرطان في الدم . كنت قد ھیأت نفسي
    الیوم عرفت بأنّي مصاب
    ِنكر
    لھذه النتیجة منذ أن مناشدة مني الطبیب فعل التحالیل سوى أنني لا أ
     وبتعبیر أدق خیبتي ؛ ُّ فكل ٍ واحد منا في ھذه الحیاة یظن
    صدمتي ،
    نفسھ بطل الحكایة ، والأبطال ً عادة مھما واجھوا من صعاب فإنھم
    سیتخطونھا ، ومھما كانت لدیھم خیارات فإن الوفاة لیس أحدھا
    بالتأكید . ظننت لوھلة أن الشأن َّ برمتھ ّ مجرد مزحة ، لكن صمت
    الطبیب وسیماء الجد في محیاه جعلانني أدرك بأنھا الحقیقة ولا شيء
    سواھا . أجل أنا ٌ جريح بالسرطان ، ذلك الداء الذي یخشاه الجمیع
    . الموت ھو أول ٍ شيء تبادر إلى ذھني بعد معرفتي النتیجة ، كیف لا
    وكل من أصیب بھذا المرض من معارفي قد مات ! خرجت من لدى
    الطبیب وكلماتھ مازالت ُّ ترن في أذني " الداء في ٍ مرحلة ّ متطورة
    ویجب علاجھ بأسرع وقت ، لا تیأس ولا تفقد الأمل ، كن قویاً ،
    فنفسیة المریض تلعب دوراً كبیراً في علاجھ " .
     وجدت قدماي قد قادتاني إلى الحدیقة
    لا أعرف إلى أین كنت سائراً ،
    العامة ، اجتزت بوابتھا ، جلست على أقرب ٍ مقعد فیھا وأخذت ّ أتأمل
    الأطفال الذین یلعبون . رفعت بصري للسماء فوجدتھا زرقاء صافیة
    إلا من بعض الغیوم البیضاء المتناثرة ، إنھا ّ أول مرة التي أشعر
    فیھا بجمال الكون ، من المحتمل لأني منذ ھذه اللحظة اعتبرت نفسي في
    ٌ ي راحل ِّ عن كل ھذا .
    عداد الأموات ، و بأنّ
    دخلت البيت ُّ أجر قدماي ج ّراً ، أطلّیت على والدتي في المطبخ
    فاستقبلتني روائح الطبخ ّ الشھیة . إنھا ّ كبة ّ لبنیة ، أكلتي المفضلة ،
    ترى ھل ستكون المرة الأخیرة التي ّ أتذوق فیھا ھذه الأكلة ؟ كم یوماً
    إنتظر واستمر لي لأعیش في كنف أسرتي ؟ أسرتي دائم التذمر منھا ؛ والدي
    الإنسان الصارم ، المستقیم ، والذي أراد مني تحقیق حلمھ المفقود
    بأن أصبح طبیباً لامعاً لكني أبیت ، فلم أجد نفسي یوماً أمیل لھذا
    المجال ، وأنا في ھذه اللحظة نادم ، فلو درست الطب ربما لعرفت
    بمرضي في وقت مبكر ولارتفعت لدي نسبة الشفاء . وأمي مستدامة
    الإرتباك علي والتي تخنقني بحرصھا الزائد عن الحد ، فأنا وحیدھا على
    ثلاث فتيات ، ماذا ستقول والدتي عندما ستعرف ّ أن الداء قد ّ تجرأ
    ونال من وحیدھا الغالي ! أشفق علیھا من علم الحقیقة . وأخواتي
    وأبناءھن الأشقیاء ، أكاد أفقد عقلي وقتما یجتمعن في نھایة الأسبوع
    ویمتلئ البیت صراخاً وفوضى . الآن لاغير اكتشفت أننا كنا عائلة
    سعیدة ، ویا لغرابة اكتشافي وتوقیتھ !
    استفقت من شرودي على صوت أمي تسأل :
    - ما رأیك بالفكرة ؟
    قلت متلعثماً :
    ّ - أیة فكرة ؟!
    فأجابت معاتبة :
    - لي ساعة أكلّمك بشأن السفرية التي أنوي التّخطیط لھا مع الأسرة
    وأنت سارح التفكیر لا أدري أین !
    ّقبلت رأسھا وقلت معتذراً :
     . على ِّ كل حال ّخططي مثلما تشائین
    - آسف أمي ، بشكل فعلي كنت شارداً
    ٌ وأنا موافق دون اعتراض . الآن عن إذنك أرید الذھاب لغرفتي .
    - ألن تتناول الغداء معنا ؟ سیأتي والدك عقب قلیل وسنضع الغذاء
    ُثر التساؤلات
    ھممت لأعتذر عن مشاركتھما الطعام ، إلا أن لم أشأ أن أ
    من حولي خصوصاً وقد طبخت أكلتي المفضلة ، وأنا لا أنوي
    إخبارھم الآن بمرضي ، لهذا طلبت منھا مناداتي عندما یجھز الأكل
    دخلت مخدعي وجلست أتساءل عن شعور من یدركھ ھذا المرض
    الخبیث ، ماذا یفعل َ وفیم یفكر ؟ لم أكلّف نفسي سابقاً عناء التّفكیر في
    ھذا الشأن ، كنت وقتما أسمع عن فرد لدیھ سرطان أو أقابلھ
    أتعاطف معھ وأشفق علیھ لكن بمصداقية أنسى الموضوع ّ بمجرد أن
    یغیب عن ناظري . هذه اللحظة أنا المصاب وقد أدركت ّ أن ّ أول ٍ تساؤل
    یخطر في فكر المریض ھو لماذا أنا ؟ وبعد أن یستوعب الحقیقة یبدأ
    ّ یفكر بمراحل العلاج وكمیة الوجع الذي ینتظره والمعاناة التي سیعانیھا
    ذووه معھ ، ویتراءى لھ شبح الموت في مختلف ٍ نظرة أو التفاتة ُّ ویشم
    ّ رائحتھ مع كل ٍ نسمة ھواء تھب .
    أخرجت ھاتفي من جیب سترتي وفتحتھ ، أخذت أصابعي ترتجف
    وھي تكتب في ّ محرك البحث "سرطان الدم". دخلت على واحدة من
    المقالات التي تتحدث عنھ ، وما قرأتھ جعلني ألقي بالھاتف وأنتحب ،
    أجل لقد استسلمت لنوبة ٍ بكاء كنت قد جاھدت ألا ینفجر في مواجهة الطبیب ،
    في مواجهة الناس السائرین في الشارع وأھم شيء في مواجهة أمي . كیف لا أبكي
    وبت منذ هذه اللحظة لا ّ أفكر سوى بوحشة الضريح . كیف سأدفن تحت التراب ،
    كیف سأوضع في ٍ حفرة ّ ضیقة بالكاد تّتسع لجسدي . كیف سیبدأ
    جسمي بالتحلل ، ھل سأشعر بجميع ھذا ؟!
    كفكفت دموعي ونھضت ّ متوجھاً إلى النافذة وألقیت ً نظرة على
    الخارج ، بدأ التلاميذ بالعودة من مدارسھم ، وھا ھم یحثّون الخطى
    للوصول إلى بیوتھم ، ممنین النفس ٍ بعطلة ممتعة . وهذه أم رباح
    عائدة من عملھا . بالتأكید ستتو ّجھ ً مباشرة -رغم تعبھا- لت ّجھز طعام
    الغداء ، دائما ما تساءلت كیف توفّق المرأة التي تعمل بین عملھا في
    الخارج وبین واجباتھا تجاه زوجھا وأطفالھا ! وذاك مروان
    "الخضرجي" یزن طماطم لأحد العملاء . یا الله إنھ ٌ نھار عادي كغیره
    من النھارات ، یفعل فیھ الناس ما اعتادوا فعلھ كل یوم . لماذا َّ لدي
    نقمةٌ علیھم وعلى الدنیا ؟ وكأنّي أرید من العالم أن یعلن الحداد حزناً
    من أجلي !! وما أنا سوى شخ ٍص من بین ملایین الأفراد على ھذه
    الأرض ولن یفنى الكون بموتي .
    جاء صوت ھاتفي لینتشلني من أفكاري ، وقد كانت المتّصلة مخطوبتي
    تالین . تُرى كیف ستستقبل خبر مرضي ؟ ھي تنتظر أن یزفّوھا َّ إلي
    ُّعقب شھرین وربما سأزف إلى القبر قبل هذا !
    عدت إلى حجرتي عقب انتھائي من تناول الغداء الذي لم أشعر أن لھ
    نكھةً أو طعم ، أكلت لاغير لأبین لأمي أنّي جائع ومستمتع ّ بالكبة .
    كنت متعباً جداً لهذا ألقیت برأسي على المخدة وأغمضت عیناي
     مددت یدي ٍ بتثاقل
    مستسلماً للنوم ، ٌ سبات قطعھ رنین ھاتفي اللعین . ُّ
    ھ من على المنضدة وفتحت الخط ، فسمعت
    باحثاً عن الھاتف ، التقطتُّ
    على ّ الطرف الآخر صوت ام ٍرأة ّ عر ْ فت عن نفسھا بأنھا ممرضة
     لأمر ھام .
    الطبیب سامي وترید مني الحضور إلى عیادتھ في أعقاب الظھر ٍ
    أصابتني الدھشة من ھذا التواصل لكني سأذھب على كل حال .
    استقبلني الطبیب ّ مرحباً ، وما أن استقریت في مقعدي حتى بادرني
    القول وابتسامةٌ عریضةٌ مطبوعة على وجھھ منذ أن دخلت :
    - سید جبران ّ أقدم لك شدید اعتذاري على الخطأ الذي حصل ، إلا أنّھ
    ّ غیر مقصود صدقني
    قلت ببلاھة :
    - عن ماذا تتكلم ؟
    أجاب وقد شبك أصابع یدیھ ببعض :
    - بشأن التحلیل الذي طلبت منك إجراؤه . لقد حدث لب ٌس في
    الموضوع ، والنّتیجة التي أخبرتك بھا فجر ھذا الیوم لم تكن لك بل
    كانت ٍ لمریض آخر . لا أعرف كیف وقع ذلك إلا أن ّ تم وضع اسمك
    على ِ فحوصات ٍ شخص آخر ، وقد انتبھ العاملون في المخبر إلى ھذا
     أجدد اعتذاري لك
    وأخبروني لحظياً
    ْد ّ أن أتسرع بتصدیق ما سمعت فقلت مستوضحاً بوجل :
    لم
    - تقصد أنني لست جريحاً بالسرطان ؟
    أجابني ضاحكاً :
    - أجل ، لست جريح . ونتیجة تحلیلك الحقیقیة ھذه ھي أمامي . أنت
    غذائي ّ معین
    تشكو من فقر ّ في الدم یزول مع العلاج واتّباع نسق
    ّ فقدت السیطرة على أعصابي فقفزت صائحاً بفرح :
    - أنا سلیم من مرض السرطان ، ھذا یعني أني لن أموت ، لن أموت
    ، لن أموت !
    فتحت عیناي لیطالعني سقف غرفتي وعلى لساني عبارة "لن أموت"
    . احتجت لبعض الوقت حتى وعى أن لقائي بالطبیب والحدیث الذي
     . یا لمقدار الفرحة التي شعرت بھا وأنا داخل الحلم
    دار بیننا كان حلماً
    ، ویا لكمیة الإحباط الذي أشعر بھ هذه اللحظة . لماذا لم یكن الحلم حقیقة
    لماذا لماذا ؟ شعرت بالاختناق وأخذت أھذي : لا أرید الوفاة لا أرید
    الموت ، مازال الوقت مبكراً على الموت .. ودخلت بعدھا بنوبة
    ٍ بكاء ّ ھیستیری ٌ ة أخرجني منھا صوت انبثق من العدم سمعتھ بوضوح :
    - ّ أیھا البائس الخائف من الوفاة ، َ لك عندي ً حیاة جدیدة ّ وصحةً
    وفیرة
    ُّ انتفضت جالساً في سریري وعیناي تبحثان ٍ برعب عن مصدر
    الصوت ..
    - لا تتعب نفسك في البحث لأنّك لن ترني ، لكني أراك ، وأرى نطاق
    ّ تشبثك بالحیاة ، فجئت لمعاونتك .
    َّ وقد نال مني الخوف كل منال :
    سألت مستفھماً
    - من أنت وكیف ستساعدني ؟
    - أما من أنا فلا ضرورة بأن تعرف ، وأما كیفیة مساعدتك فسأشرح
     موضع ما ، طف ٌل یتمنّى الموت في كل لحظة ، ستنتقل
    لك ؛ ھناك ، في ٍ
    روحك إلى جسمه وبالمقابل ستخرج روحھ لتسكن جسدك ، ومن ثم
    ستتحقّق أمنیة ٍّ كل منكما .. ھو سیموت بجسدك المریض وأنت
    ستحیى بجسمه الفتي وعمره المدید
    ّ استیعاب ما سمعت . فعاد الصوت مكرراً :
    صمت محاولاً
    - ما لي أراك صامتاً ٌ ؟ ھل أنت موافق على ھذا العرض ؟
     ولن أموت ؟
    ٍ ي سأعیش بجسد طفل سلیم
    - تقصد بأنّ
    - الوفاة َّ مقدر على ِّ كل البشر ، لكنك على أقل ما فيها لن تموت هذه اللحظة ..
    سیكون لدیك سنین عدیدة قبل أن توارى تحت التراب
    عندما جاء على ذكر التراب تذكرت وحشة القبر فأسرعت بالقول :
    - موافق ، أنا موافق
    بعدھا شعرت ٍ بشيء یقترب منّي و ٍ بید توضع على جبیني ، فدارت
    بي الدنیا وأخذت شیئاً فشیئاً أغیب عن الإدراك ..
    - 2 -
    استعدت وعیي ّ فوجدت نفسي م ً لقى على الرصیف والناس من حولي
    سائرون ٌّ كل في طریقھ غیر آبھین بي ! نھضت نافضاً التراب عن
    ثیابي فلاحظت أنني أرتدي سروالاً مھلھلاً تعلوه سترةٌ مرقّعة .
    ّ توجھت لأقرب واجھة ٍّ محل عاكسة فرأیت نفسي ٌ طفل من المحتمل في
    العاشرة من عمره ، أشعث الشعر متّسخ الوجھ نحیل الجسد . وبینما
    أنا ٌ واقف ّ أتأمل نفسي إذ ٍ بید ث ٍ قیلة توضع على كتفي وص ٌ وت ٌ خشن
    ّ ینھرني بقوة :
    ّ - لي مد ّ ة أبحث عنك وأنت تتسكع ھنا أمام المتاجر والمحلات ؟
    استدرت إلیھ فوجدتّھ رجلاً ضخماً مخیف الھیئة ، 1/2 وجھھ
     فأكمل :
    ٍ
    ٍ یختفي خلف شارب ٍ كثیف ٍ ولحیة كثّة . رمقتھ بعدم فھم
    َ - ما بك ؟ لم ّ ھذه النظرات البلھاء ؟ ثم ّ كیف تترك العربة مرمیة ھناك
    في الطریق وتبتعد عنھا ، ألم أطلب منك أن تبقى إلى جانبھا ریثما
    أعود ؟
    ُ صفَّت فیھا بعض الأغراض ،
    نظرت حیث نوه فرأیت فعليا عربةً
    ّ تبین لي عندما اقتربت منھا أنھا ٌّ حلي وأساور ٍ رخیصة ومستحضرات
    تجمیل ردیئة وبعض الأشیاء الأخرى التي تھم السيدات .
    ّمد یده تحت العربة حاملاً طرداً من علب التبغ ، ناولني إیاه قائلاً :
    ّ ھیا انطلق إلى عملك ، وإیاك ألا تنجح في بیعھا
    أخذت الطرد منھ وقد ملأ الخوف قلبي ، سرت محاولاً حفظ الأساليب
    التي أقطعھا حتى ّ أتمكن من الرجوع إلیھ . بیع الدخان في الشوارع
    لیس بالأمر السھل ، فما أن تقترب من المارة لتعرض علیھم الشراء
    حتى ُ یعرِ ضوا عنك وكأنّك ٌ وباء ٌ قادم لیحمل إلیھم الداء . في البدایة
    حاولت أن أقنعھم بالشراء ٍ بصوت ٍ خافت خجول ، بعدھا صرت
    أركض خلفھم ّ متوسلاً ، وھم ُ غیر مبالین . نابني التعب والیأس فعدت
    أدراجي إلى حیث كان هذا الرجل یعرض بضاعتھ على بعض السيدات
    . التفت لي بعد أن انتھى َّ منھن قائلاً : كم بعت الیوم ؟ . أجبتھ
     . أفاد والشرر یتطایر من عینیھ : ماذا
    وركبتاي ترتجفان : لم أبع شیئا
    كنت تفعل إذاً ؟ بالتأكید أضعت وقتك بالتسكع واللعب . أقسمت لھ
    بأنّي حاولت ولم أنجح ، فجاء ّ رده لطمةٌ على وجھي وركلةٌ في قفاي
    ، ثم ّ شدني من أذني صائحاً : الیوم أنت ٌ محروم من الطعام . الآن
    ساعدني بتوضیب السيارة فقد حان توقيت العودة إلى البیت .
    طیلة ّ الطریق كنت أدعو الله في ّ سري ألا یكون ھذا الوحش أباي ،
     زقاق ّ ضیٍق في
    لكن للأسف أیقنت أنھ والدي عندما دخلت معھ إلى ٍ
     ، فتح بابھ ٍ بركلة من قدمھ
    حي فقیر . إيقاف ھناك أمام ٍ بیت متداعٍ
    ودلف إلى ّ الداخل دافعاً عربتھ أمامھ وخلفھ دخلت أنا . فركض إلي
    ٌ طفل ٌ صغیر وفتاة ، ّ قدرت أنھما بالتأكید أخواي ، َ قائلین بفرح : لقد




    عاد سامر .. اسمي ھو سامر إذاً !
    كان البيت ّ یتكون من ٍ فناء تحتل السيارة جزءاً منھ ، وإلى الیمین
    َشت أرضھا ٍ بسجادة مت ٍ آكلة ذھب لونھا ، ووضعت في ٍ منحى
    قاعة فُرِ
    منھا أریكةٌ قدیمة ، وفي واحد من الزوایا ُ صفّت بعض الأغطیة والفرش
    البالیة . وإلى الیسار من الفناء ٌ مطبخ صغیر وقفت فیھ امرأةٌ بائسةٌ
    ّحرك ً حساء موضوعاً على النار .
    ینضح وجھھا بالتعب والإرھاق ، تُ
    وبجانب المطبخ حمام ّ ضیق من دون باب ، وقد ُ و ِضع علیھ ٌ شرشف
    مقرف لیستر الداخل إلیھ . إذاً ھذا ھو بیتي وتلك ھي عائلتي ..
    ألقى الرجل بجسمه الثقیل على الأریكة فخشیت علیھا من الھبوط لكنھا
    بقیت ثابتة ، یبدو أنھا قد اعتادت وزنھ وأصبحت مقاومةً للصدمات !
    . صاح قائلاً : أین الغذاء یا امرأة ؟ فجاءه الرد من المطبخ : مرتقبةٌ
     . التفت صوب البنت فنھرھا : اذھبي وساعدي أمك ، ھیا أیتھا
    على الفورً
    الحمقاء . فیما صاح على الطفل الذي كان یعبث بالعربة : دعھا أیھا
     . فأسرع الطفل بالابتعاد وجاء لیختبئ
    الشقي وإلا أشبعتك ضرباً
    ورائي باحثاً عن الأمان .
    وضعت المرأة الغذاء المؤلّف من حساء العدس ٍ وبصل وخبز ،
    وعندما أرادت أن تسكب صحناً لي منعھا قائلاً أني الیوم ٌ مجازى
    ٌ وممنوع من الأكل . صمتت ّ زامةً شفتیھا وقد اختزنت في عینیھا
    ٌ دمع خشي النزول . مسح الرجل شاربیھ بطرف ّ كمھ بعد أن انتھى
     . َّ توسع علیھا
    من الغذاء ونھض ّ متوجھاً باتجاه الأریكة المسكینة مرة أخرىً
    وصرح ّ متوعداً قبل أن َّ یغط في النوم : ّ إی ِ اك ثم ّ إی ِ اك أن تستغلّي نومي
    وتعطیھ طعاماً ، تعرفین ماذا سأفعل بك .
    أذني عن صوت شخیره المزعج ،
    ُ ضممت ركبتاي إلى صدري ّ ساداً
    وقد اختلط مع صوت قرقرة أمعائي الخاویة ..
    **
    َّ بعدما استیقظ من قیلولتھ نده علي قائلاً :
    - سامر ، تعال إلى ھنا
     بھمس
    ّ تقدمت منھ مطأطأ الرأس ، فطلب منّي الاقتراب أكثر . صرح ٍ
    من بین أنفاسھ ِ المشبعة برائحة البصل : الیوم ً عشية وقتما ستخرج
    معي إلى الشغل ّ سنعرج على بيت السید منیر ، أرید منك إرضاءه .
    كلّما كان ٍ راض عنك كلما ارتفعت النقود ، أتفھم ؟ ثم ابتسم ابتسامةً لم
    أعرف مغزاھا
    ً عشية حمل طبلاً من تحت الأریكة لم أنتبھ لوجوده من قبل ، ثم نوه
    َّ علي بأن أتبعھ ، اعترضت طریقھ أمي قائلةً بتوسل : دعھ أرجوك ،
    طفل بعمره لا یجوز أن یدخل ھكذا أماكن ، أنا لا أمانع عملھ معك
    صباحاً في مكان البيع والشراء ، أما الشغل في ً ملھى لیلي فذلك جریمةٌ في حقّھ ،
    ألا یكفي أنّك أخرجتھ من المدرسة ؟
     أسنان صفراء متآكلة وقال محاولاً كبح
    اقترب منھا ّ مكشراً عن ٍ
    ردت أخذه
    غضبھ : ألا تملّي یا امرأة من إرجاع نفس الاسطوانة كلّما أ ُّ
    معي إلى العمل ؟ ِ أنت تعرفین أنني لا آخذه ّ یومیاً ، ثم ما المانع ما دام
    سیرث مھنة أبیھ ؟ أم ِ أنك تنتظرین أن یصبح طبیباً أو یسلّموه إدارة
    واحد من المصارف .
    ّ وقد شدني بقسوة من یدي لأتبعھ .
    ثم نحاھا جانباً ومضى خارجاً
    **
    فنا ھناك في مواجهة
     راق ، توقّ
     حي ٍ
    أخذ یسیر وأنا خلفھ حتّى وصلنا إلى ٍّ
     ثوان َّ وأطل
     بلحن ّ معین فانفتح عقب بضع ٍ
    واحد من المنازل ، طرق الباب ٍ
    منھ ٌ رجل لم أرتح لرؤیتھ . طویل القامة حلیق اللحة ، لھ عینان
    ّضیقتان وأنف مستقیم نبت تحتھ شارب دقیق . قال موجھاً الكلام لي
    متجاھلاً والدي : أھلاً سامر كنت أنتظرك بفارغ الصبر .
    َسح لي الميدان للدخول ثم سمعتھ یقول لوالدي قبل أن یغلق الباب :
    أفْ
    اذھب بشكل سريع قبل أن یلمحك واحد من واقف ھنا ، فطبلتك تلفت الأعين .
    بقیت واقفاً مكاني لا أعرف لماذا أتى بي أبي إلى ھنا . ناداني
    الرجل قائلاً : لماذا تقف ھكذا ؟ تعال إلي ، وخذ راحتك ھذه اللیلة ،
     بحذر
    فالمنزل لیس فیھ أحد سوانا . ُّ ازدرت ریقي ٍ بصعوبة ومشیت ٍ
    ُّ ینم عن ٍ ثراء فاحش ، ٌ بيت لم
    ُّ كل ٍ شيء ٌ فخم و
    ّ متأملاً المكان حولي ،
    َ أر مثلھ حتى في حیاتي السابقة . سحبني من ذراعي وصعد بي إلى
    ّ الدور الثاني وأدخلني إلى غرفة نومھ ، ألقى َّ علي منشفةً وصرح : الماء
     .
    ساخن ، ادخل واستحم ریثما أضع لنا طعاماً
    فتحت الماء على جسدي وعقلي یرفض الفكرة التي طرأت على بالي
    ، فلیس من المعقول أن یجلبني والدي إلى ھنا بهدف.. قاطع حبل
    أفكاري ٌ أساليب على باب الحمام وصوت الرجل یقول : وضعت لك
    ثیاباً نظیفةً على السریر ، ارتدیھا عندما تخرج والحق بي في الأدنى
    .
    نزلت إلى أدنى فوجدتّھ قد أعّد ً مائدة ً عامرة بأطایب الأكل ، كنت
    َّ أتضور جوعاً لهذا لم أرفض دعوتھ بل انطلقت أملأ معدتي بما تطالھ
    یدي من أكل .
    قاربَ علىّي بعدما انتھینا وسألني : ھل شبعت ؟ قلت لھ بخجل : أجل
    شكراً لك ، فوالدي الیوم عاقبني وحرمني من الأكل . أمسك یدي
    قائلاً : یبدو أنّك تعاني مع والدك ، لكن لا بأس ، كلّما جئت ھنا
    سأضع لك أشھى الأطعمة .. وحالياً تعال إلي..
    لم أصدق نفسي عندما ضمني إلیھ ّ وقبلني ، لقد كانت ظنوني بمحلّھا
     . ھذا الرجل یرید ممارسة الجنس معي ، ویبدو أنھا لیست المرة
    إذاً
    الأولى ! أبعدتّھ عنّي ونھضت راكضاً باتجاه باب الذهاب للخارج إلا أنّھ لحق بي
    وأمسكني ، صرح وقد بدا مھتاجاً : لماذا تھرب منّي ؟ َ كنت في المرة
    الماضية عاقلاً ، ھل َّ عدت إلى عنادك ؟ . قلت وقد بدأ جسدي یرتعد
    خوفاً : ابتعد عني ، ابتعد عني ، دعني أخرج . لكنھ ّ أكد قبضتھ َّ علي
    وحملني صاعداً صوب مخدعھ ، وھناك فعل فعلتھ الدنیئة وأشبع رغباتھ
    المریضة في جسدي .
    ّ تكورت على نفسي بعدما انتھى وأنا غیر ّ مصدق لما جرى ، والدي
    قادني بنفسھ إلى ھنا وھو یعرف ما الذي سیحصل لي ، ّ أیة ٍ مصیبة
    ھذه ؟! أخذت دموعي تنھمر بقوة وأنا ّ أفكر أن ھذه اللیلة ّ ستتكرر
    ّ ، وبأن ھذه ھي حیاتي وھذا ھو قدري..
    كثیراً
    بینما كنت أرتدي ثیابي ألقى َّ إلي ّ الرجل الدنيء بعض النقود قائلاً :
    خذ أعطھا لوالدك ، وفي ّ المرة القادمة لا أرید منك ّ أیة مقاومة فقد
    أتعبتني الیوم .
    أتى أبي لأخذي فخرجت إلیھ متمنیاً امتلاك ّ الشدة والجرأة على
    صفعھ ، ّ مد یده طالباً المال الذي جنیتھ فأعطتیھ ّ إیاه ، صرح وھو ّ یعده :
    في ّ المرة الماضیة جنیت أكثر ، یبدو أنّك كنت مشاكساً الیوم . ھمس
    لي عندما اقتربنا من البیت : لا تنسى أن تتظاھر بأنّك كنت معي في
    الملھى ، والویل لك إن أخبرت أحداً بما یجري . أعرف أنّك ِ حفظت
    ّ الد ّ رس إلا أن لا مفر من تذكیرك .
    مضت أیامي ھكذا ، أنھض صباحاً أجوب الشوارع لبیع علب التّبغ ،
    وھناك ّ أتعرض لشتّى أشكال الذّل والمھانة ، أنظر ٍ بحسرة إلى
    السیارات التي یقودھا رجال مع عائلاتھم وإلى الأطفال العائدین من
    ُخلق مثلھم ؟ لماذا
    مدارسھم أو من یلعبون في الحدائق . لماذا لم أ
    ٍ لرجل لیس لدیھ ّ ذرة ٍ شرف أو رحمة ؟ وإلى متى سأظل
    خلقت ابناً
    ھكذا ؟ أبیع جسدي بهدف ح ٍ فنة من النقود ؟ فوالدي لم ی ِ كتف بذاك
    الرجل بل طمع ٍ بمزید من الثروة وأصبح یأخذني إلى رجال آخرین
    ّ تعرف علیھم في ملھاه الذي یعمل بھ .
    **
    ٍ في واحدة من اللیالي فصحوت على ید تغلق فمي وأخرى تعبث
    كنت نائماً
    یت الموت في هذه
    بسروالي ، یا إلھي إنھ أبي ، یغتصبني !! تمنّ
     . قمت راكضاً عقب
    اللحظة وشعرت ّ أن عیناي تسكبان دماً ولیس دمعاً
    أن نھض عنّي وخرجت إلى الشارع ، أخذت أصیح :
    - أنت یا من ألقیتني في ھذا الجحیم ، أعدني لحیاتي السابقة ، حتى
    ت ّ ھناك فذلك لم یعد یھم ٍ ني .. الوفاة أرحم من عیشة كھذه
    ِ وإن م ُّ
    ٍ سمعت صوت قھقھة فعدت إلى الصراخ :
    ّ - لماذا تضحك ؟ أعدني أتوسل إلیك
    َّ استمر صوت القھقھة فندھت :
    - أین أنت ؟ اظھر لي أرجوك
    لكن لم َ ألق إلا صوت الضحكة فأخذت أركض باتجاھھا ، وكلما
    اقتربت شعرت أنھا تبتعد ، أقترب فتبتعد ، أقترب فتبتعد ، حتّى
    تعثّرت وسقطت أرضاً ، وفقدت الإدراك..
     أساليب على الباب ، فتحت عیناي فإذا بي ّ ممدد
    صحوت على صوت
    على سریري وصوت أمي تقول بعدما أطلّت من خلف الباب : كفاك
    نوماً یا جبران ، لقد ّ حل المساء وأنت مازلت في الفراش ، انھض
    واجلس معنا . نظرت لھا غیر ٍ مستوعب بعد ّ لأي ٍ شيء حولي ،
    فاقتربت مني وسألت بقلق : ُ بَني ھل تشكو من شيء ؟ . فقلت لھا
    مطمئناً وقد بدأت أعود إلى رشدي : لا والدتي لا شيء ، اذھبي وسألحق
    بك بعد قلیل .
    ُّ أبعدت الغطاء عني بعد أن َ خرجت ّ وتوجھت صوب المرآة ، نظرت
     وسجدت  شكراً على
    فیھا ّ فوجدتني أنا ، جبران ، تنفست بارتیاحٍ
    عودتي إلى حیاتي الحقیقیة ، وبدأت أتساءل عن ماھیة ما مررت بھ .
    ھل كان حلماً ؟ لكني ّ أتذكر ّ كل ٍ شيء بالتفصیل وكأنني عشتھ بالفعل !
    ثم إذا لم یكن حلماً فما ھو ؟ كیف خرجت روحي لتسكن جسداً آخر !
    وكیف عشت ھناك أیاماً ً عدیدة بینما في الواقع لم أبرح حجرتي منذ
    أن تركت مائدة الغداء ؟! ومن ھذا الذي ظھر لي وكلّمني ! . یا الله
    ُجن ، فإحساسي یخبرني بأنّي فعلاً عشت في جسم سامر
    أكاد أ
    ّ وجربت حیاتھ ِّ بجميع تفاصیلھا ، إلا أن عقلي ینفي ھذا الأمر ویقنعني أنھ
    ّ مجرد حلم ، أو بالأحرى كابوس . فالجحیم الیومي الذي یعیشھ سامر
    ّ تحملھ ، وربما لو بقیت في جسده لقتلت نفسي .
    لا یستطیع أحداً
    وقع نظري على المنضدة حیث كان ٌ موضوع فوقھا نتیجة تحالیلي
    التي جلبتھا الیوم من عند الطبیب ّ فتذكرت مرضي ، إلا أن لا أعرف َ لم
    بقیت ھادئاً ولم أتوتّر ، سلام داخلي وارتیاح شعرت بھ قد اجتاح قلبي
    ّ وجعلني أفوض أمري إلى الله .
    خرجت لأجلس مع َ والد َّي في حجرة المعیشة ، كانا جالسین یشاھدان
    مسرحیةً كومیدیةً ویطلقان ِ الضحكات بین الفینة والأخرى . أخذت
    أراقبھما بصمت ، نظرت إلى والدي فشعرت أنّي لم أنظر إلیھ منذ زمن
    ، اللون الأبیض في شعره بدأ یكسب المعركة ّ ویتفوق على اللون
    الأسود . كیف كبر أبي دون أن ألحظ هذا ؟ . وأمي أیضاً التجاعید
    زائدة حول عینیھا وفمھا ، یا الله كم كنت بعیداً عنھما  خلال الفترة
    الماضیة ، العمل ومخطوبتي والتفكیر بمستقبلي شغلوا َّ جل وقتي
    وجعلوني أنسى عائلتي . انتبھ أبي لنظراتي فسألني : ما بك ؟ . قلت
    لھ دون إدراك منّي : لا شيء ، لكني اشتقت لك ..

    سامر ، ذلك الطفل البائس المسكین ، تشاهد كیف یعیش الآن ؟ أقول
     بموضع ما في ھذا العالم ، فروحي
    ھذا الخطاب لأنّي ٌ واثق أنّھ ٌ حاضر ٍ
    ذاقت جزءاً من عذاباتھ ومازلت أشعر بمرارتھا . شعرت بضعفھ
    ة حیلتھ ، قھره وظلمھ ، حرمانھ من طفولتھ وتشویھ براءتھ . ّ وأیاً
    وقلّ
     یقین أن
    كان تفسیر ما مررت بھ ، حلماً أم رؤیة أم معجزة ، فأنا على ٍ
    ما حدث لي لیس عبثاً ، بل ھو برقية من الله لأرضى بقدري ّ وأتقبل
     إنسان نصیبھ من ھذه الحیاة . لن أقول بأنّي
    إصابتي بالمرض ، ِّ فلكل ٍ
    لست حزیناً أو حتى خائفاً من ّ مجرد ذكر اسم ذلك المرض الخبیث ،
     بت لا أخشى الوفاة ، بل للموت رھبة وما عقب الوفاة
    ُّ
    لن أقول بأنّي
    ٌ رعب وغموض لم یكشفھ إلا من سبقونا إلیھ . لكنّي تصالحت مع
    حقیقة مصابي ولن أفقد الأمل ، بل سأخضع للعلاج وسأدعو الله أن
     بأناس ّ یحبونني ویتألّمون لألمي ، سأتماسك من
    ٌ محاط ٍ
    یشفیني ، فأنا
    أجلھم .

    أنا الآن في المستشفي ، ّ مض ٌجع في السریر أنتظر مجيء الطبیب للقیام
    بأولى ِ جلسات العلاج . حاولت شغل نفسي بالتّفكیر في أمور سعیدة
    ّ خططت أمي .
    فأغمضت عیناي واسترجعت النزھة التي قمنا بھا كما
    لقد ضحكت هذا الیوم مثلما لم أضحك من قبل ، إنھا ّ المرة الأولى التي
    أستمتع فیھا ّ بضجة أولاد أخواتي ، بل إنني لعبت معھم وشعرت
    ا عائلةً رائعة ،
     . وأمي وأبي .. یا الله كم كنّ
    بنفسي قد ّ عدت طفلاً
    عائلة یتمنّى الكثیرون الحصول علیھا .
    دخل الطبیب الحجرة واتّجھ نحوي ، سألني وھو یضغط على یدي
    مؤازراً :
    - كیف ھي معنویاتك ؟
    تذكرت انھیار أمي عندما دراية ْت بمرضي ، انكسار أبي ومحاولتھ
    ّ
    التماسك أمامي ، دموع شقیقاتي وحزن مخطوبتي . فقلت للطبیب
    ّ بشدة :
    عد للعلاج
    - بالخارج ھناك من ینتظرني ویبتھل لشفائي ، أنا مست ٌّ
    ّ ومعنوی ِ اتي مرتفعة . سأعیش ، من أجل ّ أحبائي سأعیش .
    انتھت





    صقر العرب|موقع زواج عربي مجاني .

    إرسال تعليق

    ملخص البريد الإلكتروني الأسبوعي اشترك أدناه وسنرسل لك ملخصًا عبر البريد الإلكتروني الأسبوعي