القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار





 قصة واقعية الكابوس

 قصة واقعية الكابوس


بسرطان في الدم . كنت قد ھیأت نفسي
الیوم عرفت بأنّي مصاب
ِنكر
لھذه النتیجة منذ أن مناشدة مني الطبیب فعل التحالیل سوى أنني لا أ
 وبتعبیر أدق خیبتي ؛ ُّ فكل ٍ واحد منا في ھذه الحیاة یظن
صدمتي ،
نفسھ بطل الحكایة ، والأبطال ً عادة مھما واجھوا من صعاب فإنھم
سیتخطونھا ، ومھما كانت لدیھم خیارات فإن الوفاة لیس أحدھا
بالتأكید . ظننت لوھلة أن الشأن َّ برمتھ ّ مجرد مزحة ، لكن صمت
الطبیب وسیماء الجد في محیاه جعلانني أدرك بأنھا الحقیقة ولا شيء
سواھا . أجل أنا ٌ جريح بالسرطان ، ذلك الداء الذي یخشاه الجمیع
. الموت ھو أول ٍ شيء تبادر إلى ذھني بعد معرفتي النتیجة ، كیف لا
وكل من أصیب بھذا المرض من معارفي قد مات ! خرجت من لدى
الطبیب وكلماتھ مازالت ُّ ترن في أذني " الداء في ٍ مرحلة ّ متطورة
ویجب علاجھ بأسرع وقت ، لا تیأس ولا تفقد الأمل ، كن قویاً ،
فنفسیة المریض تلعب دوراً كبیراً في علاجھ " .
 وجدت قدماي قد قادتاني إلى الحدیقة
لا أعرف إلى أین كنت سائراً ،
العامة ، اجتزت بوابتھا ، جلست على أقرب ٍ مقعد فیھا وأخذت ّ أتأمل
الأطفال الذین یلعبون . رفعت بصري للسماء فوجدتھا زرقاء صافیة
إلا من بعض الغیوم البیضاء المتناثرة ، إنھا ّ أول مرة التي أشعر
فیھا بجمال الكون ، من المحتمل لأني منذ ھذه اللحظة اعتبرت نفسي في
ٌ ي راحل ِّ عن كل ھذا .
عداد الأموات ، و بأنّ
دخلت البيت ُّ أجر قدماي ج ّراً ، أطلّیت على والدتي في المطبخ
فاستقبلتني روائح الطبخ ّ الشھیة . إنھا ّ كبة ّ لبنیة ، أكلتي المفضلة ،
ترى ھل ستكون المرة الأخیرة التي ّ أتذوق فیھا ھذه الأكلة ؟ كم یوماً
إنتظر واستمر لي لأعیش في كنف أسرتي ؟ أسرتي دائم التذمر منھا ؛ والدي
الإنسان الصارم ، المستقیم ، والذي أراد مني تحقیق حلمھ المفقود
بأن أصبح طبیباً لامعاً لكني أبیت ، فلم أجد نفسي یوماً أمیل لھذا
المجال ، وأنا في ھذه اللحظة نادم ، فلو درست الطب ربما لعرفت
بمرضي في وقت مبكر ولارتفعت لدي نسبة الشفاء . وأمي مستدامة
الإرتباك علي والتي تخنقني بحرصھا الزائد عن الحد ، فأنا وحیدھا على
ثلاث فتيات ، ماذا ستقول والدتي عندما ستعرف ّ أن الداء قد ّ تجرأ
ونال من وحیدھا الغالي ! أشفق علیھا من علم الحقیقة . وأخواتي
وأبناءھن الأشقیاء ، أكاد أفقد عقلي وقتما یجتمعن في نھایة الأسبوع
ویمتلئ البیت صراخاً وفوضى . الآن لاغير اكتشفت أننا كنا عائلة
سعیدة ، ویا لغرابة اكتشافي وتوقیتھ !
استفقت من شرودي على صوت أمي تسأل :
- ما رأیك بالفكرة ؟
قلت متلعثماً :
ّ - أیة فكرة ؟!
فأجابت معاتبة :
- لي ساعة أكلّمك بشأن السفرية التي أنوي التّخطیط لھا مع الأسرة
وأنت سارح التفكیر لا أدري أین !
ّقبلت رأسھا وقلت معتذراً :
 . على ِّ كل حال ّخططي مثلما تشائین
- آسف أمي ، بشكل فعلي كنت شارداً
ٌ وأنا موافق دون اعتراض . الآن عن إذنك أرید الذھاب لغرفتي .
- ألن تتناول الغداء معنا ؟ سیأتي والدك عقب قلیل وسنضع الغذاء
ُثر التساؤلات
ھممت لأعتذر عن مشاركتھما الطعام ، إلا أن لم أشأ أن أ
من حولي خصوصاً وقد طبخت أكلتي المفضلة ، وأنا لا أنوي
إخبارھم الآن بمرضي ، لهذا طلبت منھا مناداتي عندما یجھز الأكل
دخلت مخدعي وجلست أتساءل عن شعور من یدركھ ھذا المرض
الخبیث ، ماذا یفعل َ وفیم یفكر ؟ لم أكلّف نفسي سابقاً عناء التّفكیر في
ھذا الشأن ، كنت وقتما أسمع عن فرد لدیھ سرطان أو أقابلھ
أتعاطف معھ وأشفق علیھ لكن بمصداقية أنسى الموضوع ّ بمجرد أن
یغیب عن ناظري . هذه اللحظة أنا المصاب وقد أدركت ّ أن ّ أول ٍ تساؤل
یخطر في فكر المریض ھو لماذا أنا ؟ وبعد أن یستوعب الحقیقة یبدأ
ّ یفكر بمراحل العلاج وكمیة الوجع الذي ینتظره والمعاناة التي سیعانیھا
ذووه معھ ، ویتراءى لھ شبح الموت في مختلف ٍ نظرة أو التفاتة ُّ ویشم
ّ رائحتھ مع كل ٍ نسمة ھواء تھب .
أخرجت ھاتفي من جیب سترتي وفتحتھ ، أخذت أصابعي ترتجف
وھي تكتب في ّ محرك البحث "سرطان الدم". دخلت على واحدة من
المقالات التي تتحدث عنھ ، وما قرأتھ جعلني ألقي بالھاتف وأنتحب ،
أجل لقد استسلمت لنوبة ٍ بكاء كنت قد جاھدت ألا ینفجر في مواجهة الطبیب ،
في مواجهة الناس السائرین في الشارع وأھم شيء في مواجهة أمي . كیف لا أبكي
وبت منذ هذه اللحظة لا ّ أفكر سوى بوحشة الضريح . كیف سأدفن تحت التراب ،
كیف سأوضع في ٍ حفرة ّ ضیقة بالكاد تّتسع لجسدي . كیف سیبدأ
جسمي بالتحلل ، ھل سأشعر بجميع ھذا ؟!
كفكفت دموعي ونھضت ّ متوجھاً إلى النافذة وألقیت ً نظرة على
الخارج ، بدأ التلاميذ بالعودة من مدارسھم ، وھا ھم یحثّون الخطى
للوصول إلى بیوتھم ، ممنین النفس ٍ بعطلة ممتعة . وهذه أم رباح
عائدة من عملھا . بالتأكید ستتو ّجھ ً مباشرة -رغم تعبھا- لت ّجھز طعام
الغداء ، دائما ما تساءلت كیف توفّق المرأة التي تعمل بین عملھا في
الخارج وبین واجباتھا تجاه زوجھا وأطفالھا ! وذاك مروان
"الخضرجي" یزن طماطم لأحد العملاء . یا الله إنھ ٌ نھار عادي كغیره
من النھارات ، یفعل فیھ الناس ما اعتادوا فعلھ كل یوم . لماذا َّ لدي
نقمةٌ علیھم وعلى الدنیا ؟ وكأنّي أرید من العالم أن یعلن الحداد حزناً
من أجلي !! وما أنا سوى شخ ٍص من بین ملایین الأفراد على ھذه
الأرض ولن یفنى الكون بموتي .
جاء صوت ھاتفي لینتشلني من أفكاري ، وقد كانت المتّصلة مخطوبتي
تالین . تُرى كیف ستستقبل خبر مرضي ؟ ھي تنتظر أن یزفّوھا َّ إلي
ُّعقب شھرین وربما سأزف إلى القبر قبل هذا !
عدت إلى حجرتي عقب انتھائي من تناول الغداء الذي لم أشعر أن لھ
نكھةً أو طعم ، أكلت لاغير لأبین لأمي أنّي جائع ومستمتع ّ بالكبة .
كنت متعباً جداً لهذا ألقیت برأسي على المخدة وأغمضت عیناي
 مددت یدي ٍ بتثاقل
مستسلماً للنوم ، ٌ سبات قطعھ رنین ھاتفي اللعین . ُّ
ھ من على المنضدة وفتحت الخط ، فسمعت
باحثاً عن الھاتف ، التقطتُّ
على ّ الطرف الآخر صوت ام ٍرأة ّ عر ْ فت عن نفسھا بأنھا ممرضة
 لأمر ھام .
الطبیب سامي وترید مني الحضور إلى عیادتھ في أعقاب الظھر ٍ
أصابتني الدھشة من ھذا التواصل لكني سأذھب على كل حال .
استقبلني الطبیب ّ مرحباً ، وما أن استقریت في مقعدي حتى بادرني
القول وابتسامةٌ عریضةٌ مطبوعة على وجھھ منذ أن دخلت :
- سید جبران ّ أقدم لك شدید اعتذاري على الخطأ الذي حصل ، إلا أنّھ
ّ غیر مقصود صدقني
قلت ببلاھة :
- عن ماذا تتكلم ؟
أجاب وقد شبك أصابع یدیھ ببعض :
- بشأن التحلیل الذي طلبت منك إجراؤه . لقد حدث لب ٌس في
الموضوع ، والنّتیجة التي أخبرتك بھا فجر ھذا الیوم لم تكن لك بل
كانت ٍ لمریض آخر . لا أعرف كیف وقع ذلك إلا أن ّ تم وضع اسمك
على ِ فحوصات ٍ شخص آخر ، وقد انتبھ العاملون في المخبر إلى ھذا
 أجدد اعتذاري لك
وأخبروني لحظياً
ْد ّ أن أتسرع بتصدیق ما سمعت فقلت مستوضحاً بوجل :
لم
- تقصد أنني لست جريحاً بالسرطان ؟
أجابني ضاحكاً :
- أجل ، لست جريح . ونتیجة تحلیلك الحقیقیة ھذه ھي أمامي . أنت
غذائي ّ معین
تشكو من فقر ّ في الدم یزول مع العلاج واتّباع نسق
ّ فقدت السیطرة على أعصابي فقفزت صائحاً بفرح :
- أنا سلیم من مرض السرطان ، ھذا یعني أني لن أموت ، لن أموت
، لن أموت !
فتحت عیناي لیطالعني سقف غرفتي وعلى لساني عبارة "لن أموت"
. احتجت لبعض الوقت حتى وعى أن لقائي بالطبیب والحدیث الذي
 . یا لمقدار الفرحة التي شعرت بھا وأنا داخل الحلم
دار بیننا كان حلماً
، ویا لكمیة الإحباط الذي أشعر بھ هذه اللحظة . لماذا لم یكن الحلم حقیقة
لماذا لماذا ؟ شعرت بالاختناق وأخذت أھذي : لا أرید الوفاة لا أرید
الموت ، مازال الوقت مبكراً على الموت .. ودخلت بعدھا بنوبة
ٍ بكاء ّ ھیستیری ٌ ة أخرجني منھا صوت انبثق من العدم سمعتھ بوضوح :
- ّ أیھا البائس الخائف من الوفاة ، َ لك عندي ً حیاة جدیدة ّ وصحةً
وفیرة
ُّ انتفضت جالساً في سریري وعیناي تبحثان ٍ برعب عن مصدر
الصوت ..
- لا تتعب نفسك في البحث لأنّك لن ترني ، لكني أراك ، وأرى نطاق
ّ تشبثك بالحیاة ، فجئت لمعاونتك .
َّ وقد نال مني الخوف كل منال :
سألت مستفھماً
- من أنت وكیف ستساعدني ؟
- أما من أنا فلا ضرورة بأن تعرف ، وأما كیفیة مساعدتك فسأشرح
 موضع ما ، طف ٌل یتمنّى الموت في كل لحظة ، ستنتقل
لك ؛ ھناك ، في ٍ
روحك إلى جسمه وبالمقابل ستخرج روحھ لتسكن جسدك ، ومن ثم
ستتحقّق أمنیة ٍّ كل منكما .. ھو سیموت بجسدك المریض وأنت
ستحیى بجسمه الفتي وعمره المدید
ّ استیعاب ما سمعت . فعاد الصوت مكرراً :
صمت محاولاً
- ما لي أراك صامتاً ٌ ؟ ھل أنت موافق على ھذا العرض ؟
 ولن أموت ؟
ٍ ي سأعیش بجسد طفل سلیم
- تقصد بأنّ
- الوفاة َّ مقدر على ِّ كل البشر ، لكنك على أقل ما فيها لن تموت هذه اللحظة ..
سیكون لدیك سنین عدیدة قبل أن توارى تحت التراب
عندما جاء على ذكر التراب تذكرت وحشة القبر فأسرعت بالقول :
- موافق ، أنا موافق
بعدھا شعرت ٍ بشيء یقترب منّي و ٍ بید توضع على جبیني ، فدارت
بي الدنیا وأخذت شیئاً فشیئاً أغیب عن الإدراك ..
- 2 -
استعدت وعیي ّ فوجدت نفسي م ً لقى على الرصیف والناس من حولي
سائرون ٌّ كل في طریقھ غیر آبھین بي ! نھضت نافضاً التراب عن
ثیابي فلاحظت أنني أرتدي سروالاً مھلھلاً تعلوه سترةٌ مرقّعة .
ّ توجھت لأقرب واجھة ٍّ محل عاكسة فرأیت نفسي ٌ طفل من المحتمل في
العاشرة من عمره ، أشعث الشعر متّسخ الوجھ نحیل الجسد . وبینما
أنا ٌ واقف ّ أتأمل نفسي إذ ٍ بید ث ٍ قیلة توضع على كتفي وص ٌ وت ٌ خشن
ّ ینھرني بقوة :
ّ - لي مد ّ ة أبحث عنك وأنت تتسكع ھنا أمام المتاجر والمحلات ؟
استدرت إلیھ فوجدتّھ رجلاً ضخماً مخیف الھیئة ، 1/2 وجھھ
 فأكمل :
ٍ
ٍ یختفي خلف شارب ٍ كثیف ٍ ولحیة كثّة . رمقتھ بعدم فھم
َ - ما بك ؟ لم ّ ھذه النظرات البلھاء ؟ ثم ّ كیف تترك العربة مرمیة ھناك
في الطریق وتبتعد عنھا ، ألم أطلب منك أن تبقى إلى جانبھا ریثما
أعود ؟
ُ صفَّت فیھا بعض الأغراض ،
نظرت حیث نوه فرأیت فعليا عربةً
ّ تبین لي عندما اقتربت منھا أنھا ٌّ حلي وأساور ٍ رخیصة ومستحضرات
تجمیل ردیئة وبعض الأشیاء الأخرى التي تھم السيدات .
ّمد یده تحت العربة حاملاً طرداً من علب التبغ ، ناولني إیاه قائلاً :
ّ ھیا انطلق إلى عملك ، وإیاك ألا تنجح في بیعھا
أخذت الطرد منھ وقد ملأ الخوف قلبي ، سرت محاولاً حفظ الأساليب
التي أقطعھا حتى ّ أتمكن من الرجوع إلیھ . بیع الدخان في الشوارع
لیس بالأمر السھل ، فما أن تقترب من المارة لتعرض علیھم الشراء
حتى ُ یعرِ ضوا عنك وكأنّك ٌ وباء ٌ قادم لیحمل إلیھم الداء . في البدایة
حاولت أن أقنعھم بالشراء ٍ بصوت ٍ خافت خجول ، بعدھا صرت
أركض خلفھم ّ متوسلاً ، وھم ُ غیر مبالین . نابني التعب والیأس فعدت
أدراجي إلى حیث كان هذا الرجل یعرض بضاعتھ على بعض السيدات
. التفت لي بعد أن انتھى َّ منھن قائلاً : كم بعت الیوم ؟ . أجبتھ
 . أفاد والشرر یتطایر من عینیھ : ماذا
وركبتاي ترتجفان : لم أبع شیئا
كنت تفعل إذاً ؟ بالتأكید أضعت وقتك بالتسكع واللعب . أقسمت لھ
بأنّي حاولت ولم أنجح ، فجاء ّ رده لطمةٌ على وجھي وركلةٌ في قفاي
، ثم ّ شدني من أذني صائحاً : الیوم أنت ٌ محروم من الطعام . الآن
ساعدني بتوضیب السيارة فقد حان توقيت العودة إلى البیت .
طیلة ّ الطریق كنت أدعو الله في ّ سري ألا یكون ھذا الوحش أباي ،
 زقاق ّ ضیٍق في
لكن للأسف أیقنت أنھ والدي عندما دخلت معھ إلى ٍ
 ، فتح بابھ ٍ بركلة من قدمھ
حي فقیر . إيقاف ھناك أمام ٍ بیت متداعٍ
ودلف إلى ّ الداخل دافعاً عربتھ أمامھ وخلفھ دخلت أنا . فركض إلي
ٌ طفل ٌ صغیر وفتاة ، ّ قدرت أنھما بالتأكید أخواي ، َ قائلین بفرح : لقد




عاد سامر .. اسمي ھو سامر إذاً !
كان البيت ّ یتكون من ٍ فناء تحتل السيارة جزءاً منھ ، وإلى الیمین
َشت أرضھا ٍ بسجادة مت ٍ آكلة ذھب لونھا ، ووضعت في ٍ منحى
قاعة فُرِ
منھا أریكةٌ قدیمة ، وفي واحد من الزوایا ُ صفّت بعض الأغطیة والفرش
البالیة . وإلى الیسار من الفناء ٌ مطبخ صغیر وقفت فیھ امرأةٌ بائسةٌ
ّحرك ً حساء موضوعاً على النار .
ینضح وجھھا بالتعب والإرھاق ، تُ
وبجانب المطبخ حمام ّ ضیق من دون باب ، وقد ُ و ِضع علیھ ٌ شرشف
مقرف لیستر الداخل إلیھ . إذاً ھذا ھو بیتي وتلك ھي عائلتي ..
ألقى الرجل بجسمه الثقیل على الأریكة فخشیت علیھا من الھبوط لكنھا
بقیت ثابتة ، یبدو أنھا قد اعتادت وزنھ وأصبحت مقاومةً للصدمات !
. صاح قائلاً : أین الغذاء یا امرأة ؟ فجاءه الرد من المطبخ : مرتقبةٌ
 . التفت صوب البنت فنھرھا : اذھبي وساعدي أمك ، ھیا أیتھا
على الفورً
الحمقاء . فیما صاح على الطفل الذي كان یعبث بالعربة : دعھا أیھا
 . فأسرع الطفل بالابتعاد وجاء لیختبئ
الشقي وإلا أشبعتك ضرباً
ورائي باحثاً عن الأمان .
وضعت المرأة الغذاء المؤلّف من حساء العدس ٍ وبصل وخبز ،
وعندما أرادت أن تسكب صحناً لي منعھا قائلاً أني الیوم ٌ مجازى
ٌ وممنوع من الأكل . صمتت ّ زامةً شفتیھا وقد اختزنت في عینیھا
ٌ دمع خشي النزول . مسح الرجل شاربیھ بطرف ّ كمھ بعد أن انتھى
 . َّ توسع علیھا
من الغذاء ونھض ّ متوجھاً باتجاه الأریكة المسكینة مرة أخرىً
وصرح ّ متوعداً قبل أن َّ یغط في النوم : ّ إی ِ اك ثم ّ إی ِ اك أن تستغلّي نومي
وتعطیھ طعاماً ، تعرفین ماذا سأفعل بك .
أذني عن صوت شخیره المزعج ،
ُ ضممت ركبتاي إلى صدري ّ ساداً
وقد اختلط مع صوت قرقرة أمعائي الخاویة ..
**
َّ بعدما استیقظ من قیلولتھ نده علي قائلاً :
- سامر ، تعال إلى ھنا
 بھمس
ّ تقدمت منھ مطأطأ الرأس ، فطلب منّي الاقتراب أكثر . صرح ٍ
من بین أنفاسھ ِ المشبعة برائحة البصل : الیوم ً عشية وقتما ستخرج
معي إلى الشغل ّ سنعرج على بيت السید منیر ، أرید منك إرضاءه .
كلّما كان ٍ راض عنك كلما ارتفعت النقود ، أتفھم ؟ ثم ابتسم ابتسامةً لم
أعرف مغزاھا
ً عشية حمل طبلاً من تحت الأریكة لم أنتبھ لوجوده من قبل ، ثم نوه
َّ علي بأن أتبعھ ، اعترضت طریقھ أمي قائلةً بتوسل : دعھ أرجوك ،
طفل بعمره لا یجوز أن یدخل ھكذا أماكن ، أنا لا أمانع عملھ معك
صباحاً في مكان البيع والشراء ، أما الشغل في ً ملھى لیلي فذلك جریمةٌ في حقّھ ،
ألا یكفي أنّك أخرجتھ من المدرسة ؟
 أسنان صفراء متآكلة وقال محاولاً كبح
اقترب منھا ّ مكشراً عن ٍ
ردت أخذه
غضبھ : ألا تملّي یا امرأة من إرجاع نفس الاسطوانة كلّما أ ُّ
معي إلى العمل ؟ ِ أنت تعرفین أنني لا آخذه ّ یومیاً ، ثم ما المانع ما دام
سیرث مھنة أبیھ ؟ أم ِ أنك تنتظرین أن یصبح طبیباً أو یسلّموه إدارة
واحد من المصارف .
ّ وقد شدني بقسوة من یدي لأتبعھ .
ثم نحاھا جانباً ومضى خارجاً
**
فنا ھناك في مواجهة
 راق ، توقّ
 حي ٍ
أخذ یسیر وأنا خلفھ حتّى وصلنا إلى ٍّ
 ثوان َّ وأطل
 بلحن ّ معین فانفتح عقب بضع ٍ
واحد من المنازل ، طرق الباب ٍ
منھ ٌ رجل لم أرتح لرؤیتھ . طویل القامة حلیق اللحة ، لھ عینان
ّضیقتان وأنف مستقیم نبت تحتھ شارب دقیق . قال موجھاً الكلام لي
متجاھلاً والدي : أھلاً سامر كنت أنتظرك بفارغ الصبر .
َسح لي الميدان للدخول ثم سمعتھ یقول لوالدي قبل أن یغلق الباب :
أفْ
اذھب بشكل سريع قبل أن یلمحك واحد من واقف ھنا ، فطبلتك تلفت الأعين .
بقیت واقفاً مكاني لا أعرف لماذا أتى بي أبي إلى ھنا . ناداني
الرجل قائلاً : لماذا تقف ھكذا ؟ تعال إلي ، وخذ راحتك ھذه اللیلة ،
 بحذر
فالمنزل لیس فیھ أحد سوانا . ُّ ازدرت ریقي ٍ بصعوبة ومشیت ٍ
ُّ ینم عن ٍ ثراء فاحش ، ٌ بيت لم
ُّ كل ٍ شيء ٌ فخم و
ّ متأملاً المكان حولي ،
َ أر مثلھ حتى في حیاتي السابقة . سحبني من ذراعي وصعد بي إلى
ّ الدور الثاني وأدخلني إلى غرفة نومھ ، ألقى َّ علي منشفةً وصرح : الماء
 .
ساخن ، ادخل واستحم ریثما أضع لنا طعاماً
فتحت الماء على جسدي وعقلي یرفض الفكرة التي طرأت على بالي
، فلیس من المعقول أن یجلبني والدي إلى ھنا بهدف.. قاطع حبل
أفكاري ٌ أساليب على باب الحمام وصوت الرجل یقول : وضعت لك
ثیاباً نظیفةً على السریر ، ارتدیھا عندما تخرج والحق بي في الأدنى
.
نزلت إلى أدنى فوجدتّھ قد أعّد ً مائدة ً عامرة بأطایب الأكل ، كنت
َّ أتضور جوعاً لهذا لم أرفض دعوتھ بل انطلقت أملأ معدتي بما تطالھ
یدي من أكل .
قاربَ علىّي بعدما انتھینا وسألني : ھل شبعت ؟ قلت لھ بخجل : أجل
شكراً لك ، فوالدي الیوم عاقبني وحرمني من الأكل . أمسك یدي
قائلاً : یبدو أنّك تعاني مع والدك ، لكن لا بأس ، كلّما جئت ھنا
سأضع لك أشھى الأطعمة .. وحالياً تعال إلي..
لم أصدق نفسي عندما ضمني إلیھ ّ وقبلني ، لقد كانت ظنوني بمحلّھا
 . ھذا الرجل یرید ممارسة الجنس معي ، ویبدو أنھا لیست المرة
إذاً
الأولى ! أبعدتّھ عنّي ونھضت راكضاً باتجاه باب الذهاب للخارج إلا أنّھ لحق بي
وأمسكني ، صرح وقد بدا مھتاجاً : لماذا تھرب منّي ؟ َ كنت في المرة
الماضية عاقلاً ، ھل َّ عدت إلى عنادك ؟ . قلت وقد بدأ جسدي یرتعد
خوفاً : ابتعد عني ، ابتعد عني ، دعني أخرج . لكنھ ّ أكد قبضتھ َّ علي
وحملني صاعداً صوب مخدعھ ، وھناك فعل فعلتھ الدنیئة وأشبع رغباتھ
المریضة في جسدي .
ّ تكورت على نفسي بعدما انتھى وأنا غیر ّ مصدق لما جرى ، والدي
قادني بنفسھ إلى ھنا وھو یعرف ما الذي سیحصل لي ، ّ أیة ٍ مصیبة
ھذه ؟! أخذت دموعي تنھمر بقوة وأنا ّ أفكر أن ھذه اللیلة ّ ستتكرر
ّ ، وبأن ھذه ھي حیاتي وھذا ھو قدري..
كثیراً
بینما كنت أرتدي ثیابي ألقى َّ إلي ّ الرجل الدنيء بعض النقود قائلاً :
خذ أعطھا لوالدك ، وفي ّ المرة القادمة لا أرید منك ّ أیة مقاومة فقد
أتعبتني الیوم .
أتى أبي لأخذي فخرجت إلیھ متمنیاً امتلاك ّ الشدة والجرأة على
صفعھ ، ّ مد یده طالباً المال الذي جنیتھ فأعطتیھ ّ إیاه ، صرح وھو ّ یعده :
في ّ المرة الماضیة جنیت أكثر ، یبدو أنّك كنت مشاكساً الیوم . ھمس
لي عندما اقتربنا من البیت : لا تنسى أن تتظاھر بأنّك كنت معي في
الملھى ، والویل لك إن أخبرت أحداً بما یجري . أعرف أنّك ِ حفظت
ّ الد ّ رس إلا أن لا مفر من تذكیرك .
مضت أیامي ھكذا ، أنھض صباحاً أجوب الشوارع لبیع علب التّبغ ،
وھناك ّ أتعرض لشتّى أشكال الذّل والمھانة ، أنظر ٍ بحسرة إلى
السیارات التي یقودھا رجال مع عائلاتھم وإلى الأطفال العائدین من
ُخلق مثلھم ؟ لماذا
مدارسھم أو من یلعبون في الحدائق . لماذا لم أ
ٍ لرجل لیس لدیھ ّ ذرة ٍ شرف أو رحمة ؟ وإلى متى سأظل
خلقت ابناً
ھكذا ؟ أبیع جسدي بهدف ح ٍ فنة من النقود ؟ فوالدي لم ی ِ كتف بذاك
الرجل بل طمع ٍ بمزید من الثروة وأصبح یأخذني إلى رجال آخرین
ّ تعرف علیھم في ملھاه الذي یعمل بھ .
**
ٍ في واحدة من اللیالي فصحوت على ید تغلق فمي وأخرى تعبث
كنت نائماً
یت الموت في هذه
بسروالي ، یا إلھي إنھ أبي ، یغتصبني !! تمنّ
 . قمت راكضاً عقب
اللحظة وشعرت ّ أن عیناي تسكبان دماً ولیس دمعاً
أن نھض عنّي وخرجت إلى الشارع ، أخذت أصیح :
- أنت یا من ألقیتني في ھذا الجحیم ، أعدني لحیاتي السابقة ، حتى
ت ّ ھناك فذلك لم یعد یھم ٍ ني .. الوفاة أرحم من عیشة كھذه
ِ وإن م ُّ
ٍ سمعت صوت قھقھة فعدت إلى الصراخ :
ّ - لماذا تضحك ؟ أعدني أتوسل إلیك
َّ استمر صوت القھقھة فندھت :
- أین أنت ؟ اظھر لي أرجوك
لكن لم َ ألق إلا صوت الضحكة فأخذت أركض باتجاھھا ، وكلما
اقتربت شعرت أنھا تبتعد ، أقترب فتبتعد ، أقترب فتبتعد ، حتّى
تعثّرت وسقطت أرضاً ، وفقدت الإدراك..
 أساليب على الباب ، فتحت عیناي فإذا بي ّ ممدد
صحوت على صوت
على سریري وصوت أمي تقول بعدما أطلّت من خلف الباب : كفاك
نوماً یا جبران ، لقد ّ حل المساء وأنت مازلت في الفراش ، انھض
واجلس معنا . نظرت لھا غیر ٍ مستوعب بعد ّ لأي ٍ شيء حولي ،
فاقتربت مني وسألت بقلق : ُ بَني ھل تشكو من شيء ؟ . فقلت لھا
مطمئناً وقد بدأت أعود إلى رشدي : لا والدتي لا شيء ، اذھبي وسألحق
بك بعد قلیل .
ُّ أبعدت الغطاء عني بعد أن َ خرجت ّ وتوجھت صوب المرآة ، نظرت
 وسجدت  شكراً على
فیھا ّ فوجدتني أنا ، جبران ، تنفست بارتیاحٍ
عودتي إلى حیاتي الحقیقیة ، وبدأت أتساءل عن ماھیة ما مررت بھ .
ھل كان حلماً ؟ لكني ّ أتذكر ّ كل ٍ شيء بالتفصیل وكأنني عشتھ بالفعل !
ثم إذا لم یكن حلماً فما ھو ؟ كیف خرجت روحي لتسكن جسداً آخر !
وكیف عشت ھناك أیاماً ً عدیدة بینما في الواقع لم أبرح حجرتي منذ
أن تركت مائدة الغداء ؟! ومن ھذا الذي ظھر لي وكلّمني ! . یا الله
ُجن ، فإحساسي یخبرني بأنّي فعلاً عشت في جسم سامر
أكاد أ
ّ وجربت حیاتھ ِّ بجميع تفاصیلھا ، إلا أن عقلي ینفي ھذا الأمر ویقنعني أنھ
ّ مجرد حلم ، أو بالأحرى كابوس . فالجحیم الیومي الذي یعیشھ سامر
ّ تحملھ ، وربما لو بقیت في جسده لقتلت نفسي .
لا یستطیع أحداً
وقع نظري على المنضدة حیث كان ٌ موضوع فوقھا نتیجة تحالیلي
التي جلبتھا الیوم من عند الطبیب ّ فتذكرت مرضي ، إلا أن لا أعرف َ لم
بقیت ھادئاً ولم أتوتّر ، سلام داخلي وارتیاح شعرت بھ قد اجتاح قلبي
ّ وجعلني أفوض أمري إلى الله .
خرجت لأجلس مع َ والد َّي في حجرة المعیشة ، كانا جالسین یشاھدان
مسرحیةً كومیدیةً ویطلقان ِ الضحكات بین الفینة والأخرى . أخذت
أراقبھما بصمت ، نظرت إلى والدي فشعرت أنّي لم أنظر إلیھ منذ زمن
، اللون الأبیض في شعره بدأ یكسب المعركة ّ ویتفوق على اللون
الأسود . كیف كبر أبي دون أن ألحظ هذا ؟ . وأمي أیضاً التجاعید
زائدة حول عینیھا وفمھا ، یا الله كم كنت بعیداً عنھما  خلال الفترة
الماضیة ، العمل ومخطوبتي والتفكیر بمستقبلي شغلوا َّ جل وقتي
وجعلوني أنسى عائلتي . انتبھ أبي لنظراتي فسألني : ما بك ؟ . قلت
لھ دون إدراك منّي : لا شيء ، لكني اشتقت لك ..

سامر ، ذلك الطفل البائس المسكین ، تشاهد كیف یعیش الآن ؟ أقول
 بموضع ما في ھذا العالم ، فروحي
ھذا الخطاب لأنّي ٌ واثق أنّھ ٌ حاضر ٍ
ذاقت جزءاً من عذاباتھ ومازلت أشعر بمرارتھا . شعرت بضعفھ
ة حیلتھ ، قھره وظلمھ ، حرمانھ من طفولتھ وتشویھ براءتھ . ّ وأیاً
وقلّ
 یقین أن
كان تفسیر ما مررت بھ ، حلماً أم رؤیة أم معجزة ، فأنا على ٍ
ما حدث لي لیس عبثاً ، بل ھو برقية من الله لأرضى بقدري ّ وأتقبل
 إنسان نصیبھ من ھذه الحیاة . لن أقول بأنّي
إصابتي بالمرض ، ِّ فلكل ٍ
لست حزیناً أو حتى خائفاً من ّ مجرد ذكر اسم ذلك المرض الخبیث ،
 بت لا أخشى الوفاة ، بل للموت رھبة وما عقب الوفاة
ُّ
لن أقول بأنّي
ٌ رعب وغموض لم یكشفھ إلا من سبقونا إلیھ . لكنّي تصالحت مع
حقیقة مصابي ولن أفقد الأمل ، بل سأخضع للعلاج وسأدعو الله أن
 بأناس ّ یحبونني ویتألّمون لألمي ، سأتماسك من
ٌ محاط ٍ
یشفیني ، فأنا
أجلھم .

أنا الآن في المستشفي ، ّ مض ٌجع في السریر أنتظر مجيء الطبیب للقیام
بأولى ِ جلسات العلاج . حاولت شغل نفسي بالتّفكیر في أمور سعیدة
ّ خططت أمي .
فأغمضت عیناي واسترجعت النزھة التي قمنا بھا كما
لقد ضحكت هذا الیوم مثلما لم أضحك من قبل ، إنھا ّ المرة الأولى التي
أستمتع فیھا ّ بضجة أولاد أخواتي ، بل إنني لعبت معھم وشعرت
ا عائلةً رائعة ،
 . وأمي وأبي .. یا الله كم كنّ
بنفسي قد ّ عدت طفلاً
عائلة یتمنّى الكثیرون الحصول علیھا .
دخل الطبیب الحجرة واتّجھ نحوي ، سألني وھو یضغط على یدي
مؤازراً :
- كیف ھي معنویاتك ؟
تذكرت انھیار أمي عندما دراية ْت بمرضي ، انكسار أبي ومحاولتھ
ّ
التماسك أمامي ، دموع شقیقاتي وحزن مخطوبتي . فقلت للطبیب
ّ بشدة :
عد للعلاج
- بالخارج ھناك من ینتظرني ویبتھل لشفائي ، أنا مست ٌّ
ّ ومعنوی ِ اتي مرتفعة . سأعیش ، من أجل ّ أحبائي سأعیش .
انتھت





تعليقات